الشيخ السبحاني
374
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل
اتصاف صنف بالسعادة وصنف آخر بالشقاء من خلال اختيارهما أحد الأمرين . قال العلّامة الطباطبائي : « لو تعلق علمه تعالى مثلا بأن خشبة كذا ستحترق بالنار ، لا يوجب ذلك العلم وجوب تحقق الاحتراق مطلقا ، سواء أكانت هناك نار أم لم تكن إذ لم يتحقق علم بهذه الصفة ، وإنما يوجب وجوب تحقق الاحتراق المقيّد بالنار لأنّه الذي تعلق به العلم الحق ، وكذا علمه تعالى بأنّ الإنسان سيعمل بإرادته واختياره عملا أو سيشقى في ظل عمل اختياري ، يوجب وجوب تحقق العمل من طريق اختيار الإنسان لا وجوب تحقق عمل كذا سواء أكان هناك اختيار أو لم يكن ، كان هناك إنسان أو لم يكن ، حتى تنقطع به رابطة التأثير بين الإنسان وعمله ، ونظيره علمه سبحانه بأن إنسانا كذا ، سيشقى بكفره اختيارا يستوجب تحقق الشقوة التي هي نتيجة الكفر الاختياري دون الشقوة مطلقة سواء أكان هناك كفر أو لا ، وسواء أكان هناك اختيارا أو لا » « 1 » . وأما الرواية التي استشهد بها الرازي فقد أوعزنا عند البحث عن القضاء والقدر إلى أنها أشبه بالإسرائيليات منها بالإسلاميات . والقرآن ينص على عدم الفراغ من العلم ، قال سبحانه : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ « 2 » . وقال سبحانه : يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ « 3 » . على أنّه يمكن توجيه قوله ( عليه السّلام ) : « اعملوا فكل ميسّر لما خلق له » ، بأن المراد من الموصول في قوله : « لما خلق له » ، هو معرفة اللّه سبحانه وعبادته ، لا الكفر به وإنكاره قال سبحانه : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ « 4 » . فإذا كانت الغاية من الخلقة هي العبادة ، يكون كلام الرسول « اعملوا فكل ميسّر لما خلق له » ، ناظرا إلى هذه الغاية فقط ، لا
--> ( 1 ) الميزان ، ج 11 ، ص 21 . ( 2 ) سورة الرحمن : الآية 29 . ( 3 ) سورة الرعد : الآية 39 . ( 4 ) سورة الذاريات : الآية 56 .